فصل: كتاب الديات

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الاختيار لتعليل المختار ***


كتاب الديات

الدية ما يؤدى، ولما كان القتل يوجب ما لا يدفع إلى الأولياء سمي دية، وإنما خص بما يؤدى بدل النفس دون غيرها من المتلفات، لأن الاسم يشتق للتعريف بالتخصيص ولا يطردونه، ووجوب الدية في القتل لحكمة بالغة، وهي صون بنيان الآدمي عن الهدم ودمه عن الهدر، وجبت بالكتاب والسنة، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ودية مسلمة إلى أهله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 92‏]‏ وقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏في النفس المؤمنة مائة من الإبل‏)‏ أي تجب بسبب قتل النفس المؤمنة مائة من الإبل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏الدية المغلظة خمس وعشرون بنت مخاض ومثلها بنت لبون وحقاق وجذاع‏)‏ وقال محمد‏:‏ ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عام كلها خلفات في بطونها أولادها لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في حجة الوداع‏:‏ ‏(‏ ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، وفيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها‏)‏ ودية شبه العمد أغلظ فتجب كما قلنا‏.‏ ولهما قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏في النفس مائة عن الإبل‏)‏ وروى الزهري أن الدية كانت على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام أرباعا، ومعلوم أنه لا يراد به الخطأ، فبقي المراد شبه العمد، ولو أوجبنا الحوامل وجب الزيادة على المائة‏.‏ وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن التغليظ أرباع كما قلنا ولا يعرف ذلك إلا سماعا فكان معارضا لما روي، ولأن الصحابة اختلفوا في صفة التغليظ، ولو كان ما رويناه ثابتا لارتفع خصوصا وقد ورد على زعمكم في حجة الوداع مع تكاثر المسلمين فكان يشتهر، ولو اشتهر لاحتج به البعض على البعض، ولو احتج لارتفع الخلاف، ولما لم يرتفع دل على عدم ثبوته ولأنه لا يجوز إيجاب الحامل فإنه لا يعلم الحمل حقيقة فيكون تكليف ما ليس في الوسع‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وغير المغلظة عشرون ابن مخاض ومثلها بنات مخاض وبنات لبون وحقاق وجذاع‏)‏ فهي أخماس من كل صنف عشرون هكذا قاله ابن مسعود‏.‏ وروي أن النبي عليه

الصلاة والسلام قضى في قتيل قتل خطأ بمائة من الإبل أخماسا كما قلنا، ولأن الخطأ أخف فناسب التخفيف في موجبه وذلك بما ذكرنا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم‏)‏ كل عشرة وزن سبعة مثاقيل لما روى مرّار بن حارثة قال‏:‏ ‏(‏قطعت يد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضي على القاطع بخمسة آلاف درهم‏)‏‏.‏ وعن عمر رضي الله عنه أنه قضى في الدية بعشرة آلاف درهم ومن الدنانير بألف دينار‏.‏ وروي ‏(‏أنه عليه الصلاة والسلام قضى في قتيل بعشرة آلاف درهم‏)‏ وما روي أنه قضى باثني عشر ألف‏.‏

قال محمد بن الحسن‏:‏ كان وزن ستة فيحمل عليه توفيقا ‏(‏ولا تجب الدية من شيء آخر‏)‏ وقالا‏:‏ تجب من البقر مائتا بقرة ومن الغنم ألفا شاة ومن الحلل مائتا حلة كل حلة ثوبان إزار ورداء، لما روى عبيدة السلماني أن عمر رضي الله عنه قضى في الدية بعشرة آلاف درهم، ومن الدنانير بألف دينار، ومن الإبل بمائة، ومن البقر بمائتي بقرة، ومن الغنم بألفي شاة، ومن الحلل بمائتي حلة، ومراده أنه قدّر الدية بهذه المقادير، لأن القضاء لم يقع في وقت واحد بجميع هذه الأجناس‏.‏ ولأبي حنيفة رحمه الله قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏في النفس مائة من الإبل‏)‏ وقضيته أن لا يجب ما سواها إلا ما دل الدليل عليه، وإنما دل على الذهب والفضة هو ما تقدم من قضائه عليه الصلاة والسلام‏.‏ ومن أصحابنا من روى عن أبي حنيفة مثل قولهما، فإنه قال‏:‏ إذا صالح الولي على أكثر من مائتي بقرة أو مائتي حلة لم يجز، وهذا آية التقدير‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ودية المرأة نصف ذلك‏)‏ هكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وعن عمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت كذلك أيضا ولأنها في الميراث، والشهادة على النصف من الرجل فكذلك الدية‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا تغليظ إلا في الإبل‏)‏ لأنه لم يرد النص بالتغليظ إلا فيها ولا يعرف ذلك إلا نصا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ودية المسلم والذمي سواء‏)‏ لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار‏)‏ وقال الزهري‏:‏ قضى أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم في دية الذمي بمثل دية المسلم، وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إذا قبلوها فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين‏)‏ وللمسلمين إذا قتل قتيلهم ألف دينار فيكون لهم كذلك، وكذلك دية المستأمن لما روى ابن عباس أن مستأمنين جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكساهما وحملهما وخرجا من عنده، فلقيهما عمرو بن أمية الضمري فقتلهما ولم يعلم بأمانهما، فوداهما رسول الله عليه الصلاة والسلام بديتي حرين مسلمين‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏دية النفس‏]‏

‏(‏وفي النفس الدية‏)‏ لما روينا، والمراد نفس الحر ويستوي فيه الصغير والكبير والوضيع والشريف والمسلم والذمي لاستوائهم في الحرمة والعصمة وكمال الأحوال في الأحكام الدنيوية قال‏:‏ ‏(‏وكذلك في الأنف والذكر والحشفة والعقل والشم والذوق والسمع والبصر واللسان، وبعضه إذا منع الكلام، والصلب إذا منع الجماع، أو انقطع ماؤه، أو احدودب، وكذا إذا أفضاها فلم تستمسك البول‏)‏ والأصل في ذلك أنه متى أزال الجمال على وجه الكمال أو أذهب جنس المنفعة أصلا تجب الدية كاملة، لأن تفويت جنس المنفعة إتلاف للنفس معنى في حق تلك المنفعة، لأن قيام النفس معنى بقيام منافعها، فكان تفويت جنس المنفعة كتفويت الحياة، والجمال مقصود في الحيوانات كالمنفعة، ولهذا تزداد قيمة المملوك بالجمال، وتفويت جنس المنفعة إنما أوجب الدية تشريفا وتكريما للآدمي وشرفه بالجمال كشرفه بالمنافع فيتعلق به كمال الدية، ويؤيد ذلك ما روى سعيد بن المسيب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ‏(‏في النفس الدية، وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي الأنف الدية، وفي المارن الدية‏)‏ وهكذا كتب عليه الصلاة والسلام لعمرو بن حزم، إذا ثبت هذا فنقول‏:‏ إذا قطع الأنف أزال الجمال على الكمال، وكذا المارن والأرنبة والكل عضو واحد، فلا يجب بقطع الكل إلا دية واحدة؛ وفي قطع الذكر تفويت منفعة الوطء واستمساك البول ورمي الماء ودفقه والإيلاج الذي هو طريق العلوق عادة‏.‏ وأما الحشفة فهي الأصل في منفعة الإيلاج والدفق والقصبة تبع له‏.‏ وأما العقل فمنفعته أعظم الأشياء وبه ينتفع لدنياه وآخرته، ومنافعه أعظم من أن تحصى، والشم والذوق والسمع والبصر منافع مقصودة، وعمر رضي الله عنه قضى في ضربة واحدة بأربع ديات حيث ذهب بها العقل والكلام والسمع والبصر، وفي قطع اللسان إزالة منفعة مقصودة وهي منفعة النطق، وكذلك إذا زالت بقطع البعض لوجود الموجب‏.‏ ولو عجز عن النطق ببعض الحروف، فإن عجز عن الأكثر تجب كل الدية لأنه فات منفعة الكلام، وإن قدر على أكثرها فحكومة عدل لحصول الأفهام لكن مع خلل؛ والجماع منفعة مقصودة يتعلق به مصالح جمة، فإذا فات وجب به دية كاملة، وبانقطاع الماء يفوت جنس المنفعة، وبالحدبة يزول الجمال على وجه الكمال، فلو زالت الحدبة لا يجب شيء لزوال الموجب؛ واستمساك البول منفعة مقصودة فتجب الدية بزوالها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله قبل البرء خطأ ففيه دية واحدة‏)‏ لاتحاد الجنس وقد تقدم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وما في البدن اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية‏)‏ وهي الأذنان والعينان إذا ذهب نورهما سواء ذهبت الشحمة أو بقيت، لأن المنفعة بالنور لا بالشحمة، واللحيان والشفتان والحاجبان واليدان والرجلان وسمع الأذنين وثديا المرأة وحلمتاها، لأن اللبن لا يستمسك دونهما، وبفواتهما تفوت منفعة الإرضاع، والأنثيان والأليتان إذا استوصل لحمهما حتى لا يبقى على الورك لحم، والأصل فيه ما روى سعيد بن المسيب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ‏(‏في العينين الدية، وفي الأذنين الدية، وفي اليدين الدية، وفي الرجلين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الشفتين الدية‏)‏ وفي كتاب عمرو بن حزم ‏(‏وفي العينين الدية، وفي أحدهما نصف الدية‏)‏ ولأن المنفعة تفوت بفواتهما أو الجمال كاملا، وبفوات أحدهما يفوت النصف‏.‏ وإذا قطع الأنثيين مع الذكر، أو قطع الذكر أولا ثم الأنثيين ففيهما ديتان، لأن منفعة الأنثيين بعد قطع الذكر قائمة وهي إمساك المني والبول، فإن قطع الأنثيين ثم الذكر ففي الأنثيين الدية، وفي الذكر حكومة عدل، لأن بقطع الأنثيين صار خصيا، وفي ذكر الخصي حكومة ولأنه اختلت منفعته بقطع الأنثيين وهي منفعة الإيلاد فصار كاليد الشلاء‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وما فيه أربعة ففي أحدها ربع الدية‏)‏ وهي أشفار العينين وأهدابها، لأنه يفوت به الجمال على الكمال وجنس المنفعة، وهو دفع القذى عن العين، فإن قطع الأشفار وحدها وليس فيها أهداب ففيها الدية وفي أحدها ربع الدية، وكذلك الأهداب، وإن قطعها معا فدية واحدة لأنها كعضو واحد كالمارن مع الأنف‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي كل أصبع عشر الدية‏)‏ يعني من أصابع اليدين والرجلين‏.‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏في كل أصبع عشر من الإبل‏)‏ والأصابع كلها سواء، وفي قطع الكل تفويت جنس المنفعة فتجب دية كاملة وهي عشر فيقسم عليها ‏(‏وتقسم‏)‏ دية الأصبع ‏(‏على مفاصلها‏)‏ فما فيها مفصلان ففي أحدهما نصف ديتها، وما فيها ثلاث مفاصل ففي أحدها ثلثها اعتبارا بانقسام دية اليد على أصابعها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والكف تبع للأصابع‏)‏ لأن منفعة البطش بالأصابع والدية وجبت بتفويت المنفعة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي كل سن نصف عشر الدية‏)‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏وفي كل سن خمس من الإبل‏)‏ والأسنان كلها سواء الثنايا والأنياب والأضراس لإطلاق الحديث، واسم السن يتناول الكل فيجب في الأسنان دية وثلاثة أخماس دية، لأن الأسنان اثنان وثلاثون سنا عشرون ضرسا وأربعة أنياب وأربع ضواحك وأربع ثنايا‏.‏ وأسنان الكوسج قالوا ثمانية وعشرون فيجب دية وخمسا دية، وهذا غير جار على قياس الأعضاء إلا أن المرجع فيها إلى النص‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن قلعها فنبتت أخرى مكانها سقط الأرش‏)‏ لزوال سببه، ولو أعاد المقلوعة إلى مكانها فنبتت فعليه الأرش وكذلك الأذن لأنها لا تعود إلى الحالة الأولى في المنفعة والجمال، والمقلوع لا ينبت ثانيا لأنه لا يلتزق بالعروق والعصب فكان وجود هذا النبات وعدمه سواء حتى لو قلعه إنسان لا شيء عليه؛ ولو اسودت السن من الضربة أو احمرت أو اخضرت ففيها الأرش كاملا لأنها تبطل منفعتها إذا اسودت فإنها تتناثر ويفوت بذلك الجمال كاملا، ولو اصفرت فعن أبي حنيفة حكومة عدل لأن الصفرة لا تذهب منفعتها بل توجب نقصانها فتجب الحكومة؛ ولو ضرب سنا فتحرك ينتظر به حولا لاحتمال أنها تشتد، وإن سقط أو حدث فيه صفة مما ذكرنا وجب فيها ما قلنا، لأن الجنايات تعتبر فيها حال الاستقرار، قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏يستأنّ بالجراح حتى يبرأ‏)‏ ولأنها إذا لم تستقر لا يعلم الواجب فلا يجوز القضاء‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي شعر الرأس إذا حلق فلم ينبت الدية، وكذلك اللحية والحاجبان والأهداب‏)‏ أما الحاجبان والأهداب فلما مرّ، وأما اللحية فلأن فيها جمالا كاملا لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏إن ملائكة سماء الدنيا تقول‏:‏ سبحان من زيّن الرجال باللحى والنساء بالذوائب‏)‏ وعن علي رضي الله عنه‏:‏ أنه أوجب في شعر الرأس إذا حلق فلم ينبت دية كاملة، وكذلك قال في اللحية‏.‏ وكان أبو جعفر الهنداوني يقول في اللحية‏:‏ إنما تجب الدية إذا كانت كاملة يتجمل بها، أما إذا كانت طاقات متفرقة لا يتجمل بها فلا شيء فيها، وإن كانت غير متفرقة لا يتجمل بها وليست مما تشين ففيها حكومة عدل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي اليد إذا شلت والعين إذا ذهب ضوؤها الدية‏)‏ لأنها إذا عدمت المنفعة فقد عدمت معنى فتجب الدية على ما بينا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي الشارب ولحية الكوسج وثدي الرجل وذكر الخصي والعنين ولسان الأخرس واليد الشلاء والعين العوراء والرجل العرجاء والسن السوداء والأصبع الزائدة وعين الصبي ولسانه وذكره إذا لم تعلم صحته حكومة عدل‏)‏ أما الشارب فهو تبع للحية، وقد قيل السنة فيها الحلق فلم يكن جمالا كاملا، ولحية الكوسج ليست جمالا كاملا، وكل ما يجب في الشعر إنما يجب إذا فسد المنبت، أما إذا عاد فنبت كما كان لا يجب شيء لعدم الوجب، وثدي الرجل لا منفعة فيه ولا جمال، وذكر الخصي والعنين واليد الشلاء ولسان الأخرس والعين العوراء والرجل العرجاء لعدم فوات المنفعة، ولا جمال في السن السوداء ولا منفعة في الأصبع الزائدة، وإنما وجبت حكومة عدل تشريفا للآدمي لأنه جزء منه، وأعضاء الصبي إذا لم تعلم صحتها وسلامة منفعتها لا تجب الدية بالشك والسلامة وإن كانت ظاهرة فالظاهر لا يصلح حجة للإلزام، واستهلال الصبي ليس بكلام بل مجرد صوت وصحة اللسان تعرف بالكلام، والذكر بالحركة، والعين بما يستدل به على النظر، فإذا عرف صحة ذلك فهو كالبالغ في العمد والخطأ؛ وفي شعر بدن الإنسان حكومة لأنه لا منفعة فيه ولا جمال فإنه لا يظهر، ولو ضرب الأذن فيبست فيها حكومة، وفي قلع الأظفار فلم تنبت حكومة لأنه لم يرد فيها أرش مقدر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا قطع اليد من نصف الساعد ففي الكف نصف الدية‏)‏ لما تقدم ‏(‏وفي الزائد حكومة عدل‏)‏ لأنه لا منفعة فيه ولا جمال، وكذلك إن قطعها من المرفق لما بينا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن قطع أصبعا فشلت أخرى، أو قطع يده اليمنى فشلت اليسرى فلا قصاص‏)‏ وقالا‏:‏ عليه القصاص في الأولى والأرش في الثانية، وعلى هذا الخلاف إذا شجه موضحة فذهب سمعه أو بصره؛ وأجمعوا لو شجه موضحة فصارت منقلة، أو كسر سنه فاسود الباقي، أو قطع الكف فشل الساعد، أو قطع إصبعا فشل الكف، أو قطع مفصلا من الأصبع فشل باقيها لا قصاص عليه وعليه أرش الكل‏.‏ لهما في الخلافيات أنه تعدد محل الجناية فلم يلزم من سقوط القصاص في أحدهما سقوطه في الآخر، كما إذا جنى على عضو عمدا وعلى آخر خطأ‏.‏ ولأبي حنيفة أن جنايته وقعت سارية بفعل واحد، والمحل متحد من حيث الاتصال فتعذر القصاص لأن القصاص ينبئ عن المماثلة وليس في وسعه القطع بصفة السراية، وإذا تعذر القصاص وجب المال كما في مواضع الإجماع، بخلاف ما قاسا عليه لأن أحدهما ليس بسراية للآخر؛ ولو قطع كفا فيها أصبع أو أصبعان فعليه أرش الأصابع ولا شيء في الكف وقالا‏:‏ ينظر إلى أرش الأصبع والأصبعين وإلى حكومة العدل في الكف؛ فيدخل الأقل في الأكثر لأنهما جنايتان بفعل واحد في محل واحد فلا يجب الأرشان، ولا سبيل إلى إهدار أحدهما فرجحنا بالأكثر كالموضحة إذا أسقطت بعض شعر الرأس‏.‏ وله أن الأصابع أصل والكف تبع، لأن البطش يقوم بها، ولأن قطع الأصابع يوجب الدية كاملة، ولا كذلك قطع الكف، والأصل إن قل يستتبع التبع، بخلاف ما ذكر لأن أحدهما ليس تبعا للآخر؛ ولو قطع الكف وفيه ثلاث أصابع وجب أرش الأصابع بالإجماع لأن الأصابع هي الأصل لما بينا، للأكثر حكم الكل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وعمد الصبي والمجنون خطأ‏)‏ لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏عمد الصبي خطأ‏)‏ وروي أن مجنونا قتل رجلا بسيف فقضى علي رضي الله عنه بالدية على عاقلته من غير نكير، ولأن القصاص عقوبة ولا يستحقان العقوبة بفعلهما كالحدود، وكذا من أحكام العمد المأثم ولا إثم عليهما‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏دية الجراح‏]‏

‏(‏الشجاج عشرة‏:‏ الخارصة وهي التي تخرص الجلد‏)‏ أي تشقه أو تخدشه ولا يخرج الدم ‏(‏ثم الدامعة التي تخرج ما يشبه الدمع‏)‏ وقيل التي تظهر الدم ولا تسيله كالدمع في العين ‏(‏ثم الدامية التي تخرج الدم‏)‏ وتسيله ‏(‏ثم الباضعة التي تبضع اللحم‏)‏ أي تقطعه، وقيل تقطع الجلد ‏(‏ثم المتلاحمة التي تأخذ في اللحم‏)‏ وعلى الوجه الأول تأخذ في اللحم أكثر من الباضعة ‏(‏ثم السمحاق، وهو جلدة فوق العظم تصل إليها الشجة، ثم الموضحة التي توضح العظم‏)‏ أي تكشفه ‏(‏ثم الهاشمة التي تهشم العظم‏)‏ أي تكسره ‏(‏ثم المنقلة التي تنقل العظم بعد الكسر‏.‏ ثم الآمة التي تصل إلى أم الدماغ‏)‏ وهي جلدة تحت العظم فيها الدماغ، قالوا ثم الدامغة، وهي التي تخرق الجلد وتصل إلى أم الدماغ ولم يذكرها محمد إذ لا فائدة في ذكرها فإنه لا يعيش معها وليس لها حكم، ولم يذكر الخارصة والدامعة لأنها لا يبقى لها أثر غالبا، والشجة التي لا أثر لها لا حكم لها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ففي الموضحة القصاص إن كانت عمدا‏)‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والجروح قصاص ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏ وأنه ممكن فيها لأنه يمكن أن ينهي السكين إلى العظم فتتحقق المساواة، وقد قضى عليه الصلاة والسلام بالقصاص في الموضحة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي التي قبلها حكومة عدل‏)‏ لأنه ليس فيها أرش مقدر ولا يمكن إهدارها فتجب الحكومة‏.‏ قال عمر بن عبد العزيز‏:‏ ما دون الموضحة خدوش فيها حكومة عدل‏.‏ وعن محمد في الأصل‏:‏ فيما قبل الموضحة القصاص دون ما بعدها لأنه يمكن اعتبار المساواة فيما قبلها بمعرفة قدر الجراحة بمسمار ثم تؤخذ حديدة على قدرها وينفذ في اللحم إلى آخرها فيستوفي مثل ما فعل لقوله تعالى‏:‏‏)‏ والجروح قصاص‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏ ولا يمكن ذلك فيما بعدها، لأن كسر العظم وتنقله لا تمكّن المساواة فيه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي الموضحة الخطإ نصف عشر الدية، وفي الهاشمة العشر، وفي المنقلة عشر ونصف، وفي الآمّة الثلث، وكذا الجائفة، فإذا نفذت فثلثان‏)‏ لما روى عمرو بن حزم أن

النبي عليه الصلاة والسلام كتب له ‏(‏وفي الموضحة خمس من الإبل، وفي الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشر، وفي الآمة ثلث الدية‏)‏ وقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏في الجائفة ثلث الدية‏)‏ وعن أبي بكر رضي الله عنه أنه حكم في جائفة نفذت بثلثي الدية، لأنها إذا نفذت فهي جائفتان‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والشجاج يختص بالوجه والرأس‏)‏ لغة كالخدين والذقن واللحيين والجبهة ‏(‏والجائفة بالجوف والجنب والظهر وما سوى ذلك جراحات فيها حكومة عدل‏)‏ لأنها غير مقدرة ولا مهدرة فتجب حكومة عدل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وحكومة العدل أن يقوم المجروح عبدا سالما وسليما‏)‏ أي صحيحا وجريحا ‏(‏فما نقصت الجراحة من القيمة يعتبر من الدية‏)‏ فإن نقصت عشر القيمة تجب عشر الدية وعلى هذا، وأراد بالسليم الجريح، وإن كان موضوعا للديغ استعارة لأنه في معناه، وهذا عند الطحاوي لأن الحر لا يمكن تقويمه والقيمة للعبد كالدية للحر، فما أوجبت نقصا في أحدهما اعتبر بالآخر‏.‏ وقال الكرخي‏:‏ يؤخذ مقداره من الشجة التي لها أرش مقدر بالحزر فينظر كم مقدار هذه الشجة من الموضحة فيجب بقدره من نصف عشر الدية‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن شج رجلا فذهب عقله أو شعر رأسه دخل فيه أرش الموضحة‏)‏ لأن العقل إذا فات منفعة جميع الأعضاء فصار كما إذا شجه فمات؛ وأما الشعر فلأن أرش الموضحة يجب لفوات بعض الشعر حتى لو نبتت سقط الأرش، والدية تجب بفوات جميع الشعر، وقد تعلقا بفعل واحد فيدخل الجزء في الكل كما لو قطع أصبعه فشلت يده‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن ذهب سمعه أو بصره أو كلامه لم تدخل، ويجب أرش الموضحة مع ذلك‏)‏ لما روينا عن عمر رضي الله عنه أنه قضى في ضربة واحدة بأربع ديات ولأن منفعة كل عضو من هذه الأعضاء مختصة به لا تتعدى إلى غيره فأشبه الأعضاء المختلفة بخلاف العقل فإن منفعته تتعدى إلى جميع الأعضاء‏.‏ وعن أبي يوسف أن الشجة تدخل في دية السمع والكلام دون البصر، لأن السمع والكلام أمر باطن فاعتبره بالعقل؛ أما البصر أمر ظاهر فلا يلتحق به‏.‏ وطريق معرفة ذهاب هذه الأشياء وبقائها اعتراف الجاني أو تصديقه للمجني عليه أو بنكوله عن اليمين كما في سائر الحقوق ويعرف البصر بأن ينظره عدلان من الأطباء لأنه ظاهر يعرف؛ ومن أصحابنا من قال‏:‏ يستعلم البصر بأن يجعل بين يديه حية يختبر حاله بها‏.‏ وأما السمع فيستغفل المدعي ذهاب سمعه كما روي أن رجلا ضرب امرأة فادعت ذهاب سمعها، فاحتكما إلى القاضي إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة فتشاغل عنها ثم التفت إليها فقال‏:‏ غطي عورتك فجمعت ذيلها فعلم أنها كاذبة‏.‏ وأما الكلام فيعرف بأن يستغفل حتى يسمع كلامه أولا‏.‏ وأما الشم فيختبر بالرائحة الكريهة فإن جمع منها وجهه علم أنه كاذب‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يقتص من الموضحة والطرف حتى تبرأ‏)‏ لما روي أن رجلا جرح حسان بن ثابت فجاء الأنصار إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فطلبوا القصاص فقال‏:‏ ‏(‏انتظروا ما يكون من صاحبكم‏)‏ فأما الجراحة الخطأ فلا شبهة فيها لأنها إن اقتصرت فظاهر وإن سرت فقد أخذ بعض الدية فيأخذ الباقي‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو شجه فالتحمت ونبت الشعر سقط الأرش لزوال الموجب وهو الشين‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ عليه أرش الألم، لأن الشين وإن زال فالألم الحاصل ما زال فيقوّم الألم‏.‏ وقال محمد‏:‏ عليه أجرة الطبيب لأنه لزمه بسبب فعله فكأنه أخذه من ماله‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏دية الجنين‏]‏

‏(‏ومن ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا ففيه غرة خمسون دينارا على العاقلة ذكرا كان أو أنثى‏)‏ والقياس أن لا يجب فيه شيء لأنه لا يعلم حياته، والظاهر لا يصلح للإلزام إلا أنا تركنا القياس، لما روي ‏(‏أن امرأة ضربت بطن ضرتها بعمود فسطاط فألقت جنينا ميتا، فاختصما إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فحكم على عاقلة الضاربة بالغرة عبدا أو أمة أو قيمتها خمسمائة‏)‏ وفي رواية ‏(‏أو خمسمائة‏)‏ ولم يستفسر ذكرا كان أو أنثى، ولأنه يتعذر التمييز بين الذكر والأنثى في الجنين فيسقط اعتباره دفعا للحرج، وفي رواية ‏(‏فألقت جنينا ميتا وماتت، فقضى النبي عليه الصلاة والسلام على عاقلة الضاربة بالدية وبغرة الجنين‏)‏ رواه المغيرة وقال‏:‏ فقام عم الجنين فقال‏:‏ إنه قد أشعر، وقال والد الضاربة، وفي رواية أخوها عمران بن عويمر الأسلمي فقال‏:‏ كيف ندي من لا أكل ولا شرب ولا صاح ولا استهل ودم مثل ذلك يطل ‏؟‏ فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏أسجع كسجع الكهّان فيه غرة عبد أو أمة‏)‏ وكذلك رواه محمد بن مسلمة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن ألقيه حيا ثم مات ففيه الدية على العاقلة وعليه الكفارة‏)‏ لأنه صار قاتلا ‏(‏وإن ألقته ميتا ثم ماتت ففيه ديتها والغرة‏)‏ لما روينا ‏(‏وإن ماتت ثم ألقته ميتا ففيها الدية ولا شيء فيه‏)‏ لأن موتها سبب لموته لأنه يختنق بموتها فإنه إنما يتنفس بنفسها واحتمل موته بالضربة فلا تجب الغرة بالشك ‏(‏وإن ماتت ثم خرج حيا ثم مات فديتان‏)‏ لأنه قتل نفسين ‏(‏فإن ألقت جنينين ميتين ففيهما غرتان‏)‏ لأنه عليه الصلاة والسلام قضى في الجنين بغرة فيكون في الجنينين غرتان، ولأن من أتلف شخصين بضربة واحدة ضمن كل واحد منهما كالكبيرين ‏(‏فإن ألقت أحدهما ميتا وبالآخر حيا ثم مات ففي الميت الغرة وفي الحي دية كاملة‏)‏ اعتبارا لهما بحالة الانفراد ‏(‏وتجب الغرة في سنة واحدة‏)‏ هكذا روي عن النبي عليه الصلاة والسلام‏.‏ ‏(‏وإن استبان بعض خلقه ولم يتم ففيه الغرة‏)‏ لأنا نعلم أنه ولد فكان كالكامل، والنبي عليه الصلاة والسلام قضى في الجنين بالغرة ولم يفصل ولم يسأل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا كفارة في الجنين‏)‏ لأن القتل غير متحقق لجواز أن لا حياة فيه، وقد بينا أن ما وجب فيه على خلاف القياس بالنص، ولأنه ورد في الغرة لا غير، والكفارات طريقها التوقيف أو الاتفاق‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وما يجب فيه موروث عنه‏)‏ لأنه بدل عن نفسه فيورث كالدية ولا يرث الضارب منها لأنه قاتل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي جنين الأمة نصف عشر قيمته لو كان حيا إن كان ذكرا، وعشر قيمته لو كان أنثى‏)‏ لأن الواجب في جنين الحرة خمسمائة، وهي نصف عشر الدية، والدية من الحرة كالقيمة من العبد فيعتبر به، وغرة الجنين في مال الضارب، لأن العاقلة لا تعقل العبيد‏.‏ وفي الفتاوى‏:‏ معتدة حامل احتالت لانقضاء عدتها بإسقاط الحمل فعليها الغرة للزوج ولا ترث منه، وقد مر الوجه فيه‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏التسبب في الجناية‏]‏

‏(‏ومن أخرج إلى طريق العامة روشنا أو ميزابا أو كنيفا أو دكانا فلرجل من عرض الناس أن ينتزعه‏)‏ لأن المرور في الطريق العام حق مشترك بين جميع الناس بأنفسهم ودوابهم، فله أن ينقضه كما في الملك المشترك إذا بنى فيه أحدهم شيئا كان لكل واحد منهم نقضه كذا هذا قال‏:‏ ‏(‏فإن سقط على إنسان فعطب فالدية على عاقلته‏)‏ لأنه تسبب إلى التلف وهو متعد فيه بشغل طريق المسلمين وهواه بما ليس له حق الشغل؛ ولو فعل ذلك بأمر السلطان لا يضمن لأنه صار مباحا مطلقا لأنه نائب عن جماعة المسلمين؛ ولو باع الدار بعد ذلك لا يبرأ عن الضمان لأن الجناية وجدت منه وهي باقية‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن أصابه طرف الميزاب الذي في الحائط فلا ضمان فيه‏)‏ لأنه غير متعد في السبب، لأن طرفه الداخل موضوع في ملكه ‏(‏وإن أصابه الطرف الخارج ضمن‏)‏ لأنه متعد فيه‏.‏ ‏(‏وإن أصابه الطرفان أو لا يعلم ضمن نصف الدية‏)‏ لأن إضافة الموت إلى أحدهما ليس بأولى من الآخر فيضاف إليهما ‏(‏ثم إن كان لا يستضر به أحد جاز له الانتفاع به‏)‏ لأن له فيه حق المرور ولا ضرر فيه فيجوز ‏(‏وإن كان يستضر به أحد يكره‏)‏ لأن الإضرار بالناس حرام عقلا وشرعا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وليس لأحد من أهل الدرب الغير النافذ أن يفعل ذلك إلا بأمرهم‏)‏ لأن الطريق مشترك بينهم فصار كالدار المشتركة؛ وإن كان مما جرت به عادة السكنى كوضع المتاع ونحوه لم يضمن لأنه غير متعد نظرا إلى العادة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو وضع جمرا في الطريق ضمن ما أحرق في ذلك الموضع ‏(‏فإن حرّكته الريح إلى موضع آخر لم يضمن ما أحرق في ذلك الموضع إلا أن يكون يوم ريح؛ وكذا صب الماء وربط الدابة ووضع الخشبة وإلقاء التراب واتخاذ الطين ووضع المتاع؛ وكذا لو قعد في الطريق ليستريح أو ضعف عن المشي لإعياء أو مرض فعثر به أحد فمات وجبت الدية لما قلنا إنه متعد في السبب فصار كحافر البئر على ما مر؛ وإن عثر بذلك رجل فوقع على آخر ومات فالضمان على الواضع لا على العاثر لأنه هو المتعدي في السبب دون العاثر، وإن نحى رجل شيئا من ذلك عن موضعه فعطب به إنسان ضمن من نحاه وبرئ الأول، لأن بالتنحية شغل مكانا آخر وأزال أثر فعل الأول، فكان الثاني هو الجاني فيضمن، ولو رش الطريق أو توضأ فيه ضمن، قالوا‏:‏ هذا إذا لم يعلم المار بالرش بأن كان أعمى أو ليلا، وإن علم لا يضمن لأنه خاطر بروحه لما تعمد المشي عليه فكان مباشرا للتلف فلا يكون على المسبب؛ وكذا لو تعمد المشي على الحجر والخشب الموضوعة فعثر به لا ضمان على الواضع، وقيل هذا إذا رشّ بعض الطريق، أما إذا رشّ جميع الطريق فإنه يضمن الواضع لأنه مضطر في المرور عليه لأنه لا يجد غيره، ولا كفارة على واضع هذه الأشياء، ولم يحرم به الميراث لأنه مسبب كحافر البئر، وقد مرّ‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا مال حائط إنسان إلى طريق العامة فطالبه بنقضه مسلم أو ذمي فلم ينقضه في مدة أمكنه نقضه فيها حتى سقط ضمن ما تلف به‏)‏ والقياس أن لا يضمن، لأن الميلان وشغل الهواء ليس بفعله فلم يباشر القتل ولا سببه فلا ضمان عليه‏.‏ وجه الاستحسان أن الهواء صار مشغولا بحائطه والناس كلهم فيه شركاء على ما مر، فإذا طولب بتفريغه يجب عليه، فإذا لم يفرغ مع الإمكان صار متعديا وقبل الطلب لم يصر متعديا، لأن الميل حصل في يده بغير صنعه وصار كثوب ألقته الريح في حجره فطلبه صاحبه بالرد، فإن لم يرده مع الإمكان فهلك ضمن، وإن لم يطلبه لم يضمن، وإن اشتغل بهدمه من وقت الطلب فسقط لم يضمن لأنه لم يوجد التعدي من وقت الطلب؛ ولو نقضه فعثر رجل بالنقض ضمن عند محمد وإن لم يطالب برفعه، لأن الطريق صار مشغولا بترابه ونقضه فوجب عليه تفريغه‏.‏ وعن أبي يوسف أنه لا يضمن ما لم يطالب برفعه كما في مسألة الثوب، ولو باع الدار خرج من ضمانه، ويطالب المشتري بالهدم لأنه لم يبق له ولاية هدم الحائط، والمطالبة إنما تصح ممن له ولاية الهدم حتى لا تصح مطالبة المستأجر والمرتهن والمودع، ويصح مطالبة الراهن لقدرته على ذلك بواسطة فكاك الرهن، وكذلك الأب والوصي والأم في حائط الصبي لقيام ولايتهم، والضمان في مال الصبي، لأن فعل هؤلاء كفعله‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن بناه مائلا ابتداء فسقط ضمن من غير طلب‏)‏ لأنه متعد بالبناء في هواء مشترك على ما بينا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويضمن الراكب ما وطئت الدابة بيدها أو رجلها‏)‏‏.‏ اعلم أن ركوب الدابة وسيرها إن كان في ملكه لا يضمن ما تولد من سيرها وحركاتها إلا الوطء لأنه تصرّف في ملكه فلا يتقيد بشرط السلامة كحافر البئر في ملكه، إلا أن الوطء بمنزلة فعله لحصول الهلاك بثقله، ولهذا وجبت عليه الكفارة في الوطء دون غيره، وقد مرّ، وإن كان في ملك غيره فإنه يضمن ما جنت دابته واقفا كان أو سائرا وطئا ونفحا وكدما لأنه متعد في السبب لأنه ليس له إيقافها في ملك غيره، ولا تسييرها حتى لو كان مأذونا له في ذلك، فحكمه حكم ملكه وإن كان في طريق العامة وهي مسألة الكتاب فإنه يضمن ما وطئت بيدها أو رجلها أو كدمت أو صدمت أو أصابت برأسها أو خبطت‏.‏ ‏(‏ولا يضمن ما نفحت بذنبها أو رجلها‏)‏ والأصل فيه أن المرور في الطريق عام مباح بشرط السلامة لأن له فيه حقا فكان مباحا وفيه حق العامة لكونه مشتركا بينهم فقيدناه بشرط السلامة نظرا للجانبين ومراعاة للحقين، والوطء وأخواته مما يمكن الاحتراز عنه لكونه بمرأى من عينه فصح التقييد فيها، والنفحة لا يمكنه الاحتراز عنها حالة السير لأنها من خلفه فلا يتقيد بالسلامة، فإن أوقفها ضمن النفحة أيضا لأنه يمكنه الاحتراز عنه بأن لا تقف ‏(‏وإن راثت في الطريق وهي تسير أو أوقفها لذلك لا ضمان فيما تلف به‏)‏ لأنه لا يمكنه الاحتراز عن ذلك، أما حالة السير فظاهر، وكذلك إذا أوقفها لأن من الدواب من لا يروث حتى يقف‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن أوقفها لغيره ضمن‏)‏ لأنه يمكنه الاحتراز عن ذلك بترك الإيقاف، والرديف كالراكب لأن السير مضاف إليهما، وباب المسجد كالطريق في الإيقاف؛ فلو جعل الإمام للمسلمين موضعا لوقوف الدواب عند باب المسجد فلا ضمان فيما حدث بين الوقوف فيه، وكذلك من وقوف الدابة في سوق الدواب لأنه مأذون له من جهة السلطان، وكذلك الفلاة وطريق مكة إذا وقف في غير المحجة لأنه لا يضر بالناس فلا يحتاج إلى الإذن‏.‏ أما المحجة فهي كالطريق‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏والقائد ضامن لما أصابت يدها دون رجلها، وكذلك السائق‏)‏ مروي ذلك عن شريح، وقيل يضمن النفحة‏.‏ أما القائد فلأنه يمكنه الاحتراز عن الوطء دون النفخة كالراكب؛ وأما السائق فإنه يمكنه الاحتراز من الوطء أيضا؛ وأما النفحة قيل لا يضمن لأنه لا يمكن التحرز عنه؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها من النفح، وقيل يضمن لأن النفحة تبين من عينه فيمكن التحرز بإبعاد الناس عنها والتحذير، ولا كذلك القائد، وقائد القطار في الطريق يضمن أوله وآخره لأن عليه ضبطه وصيانته عن الوطء والصدمة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا وطئت دابة الراكب بيدها أو رجلها يتعلق به حرمان الميراث والوصية وتجب الكفارة‏)‏ وقد بيناه في أول الجنايات‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو ركب دابة فنخسها آخر فأصابت رجلا على الفور فالضمان على الناخس‏)‏ لأن من عادة الدابة النفحة والوثبة عند النخس فكان مضافا إليه، والراكب مضطر في ذلك فلم يصر سيرها مضافا إليه فصار الناخس هو المسبب؛ ولو سقط الراكب فمات فالضمان على الناخس أيضا لما بينا، ولو قتلت الدابة الناخس فهو هدر كحافر البئر إذا وقع في البئر، ولو أمره الراكب بالنخس ضمن الراكب لأنه صح أمره فصار الفعل مضافا إليه، ولو نفرت من حجر وضعه رجل في الطريق، فالواضع كالناخس ضامن لأن الوضع سبب لنفور الدابة أو وثبتها كالنخسة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن اجتمع السائق والقائد أو السائق والراكب فالضمان عليهما‏)‏ لأن أحدهما سائق للكل، والآخر قائد للكل بحكم الاتصال، وقيل الضمان على الراكب لأنه مباشر على ما قدمنا والسائق مسبب والإضافة إلى المباشر أولى، وجميع هذه المسائل إن كان الهالك آدميا فالدية على العاقلة لأنها تتحمل الدية في الخطأ تخفيفا على القاتل مخافة استئصالها له، وهذا دون الخطأ في الجناية فكان أولى بالتخفيف، وإن كان غير آدمي كالدواب والعروض ففي مال الجاني لأن العاقلة لا تعقل الأموال‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا اصطدم فارسان أو ماشيان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر‏)‏ لأن قتل كل واحد مضاف إلى فعل الآخر لا إلى فعلهما، لأن القتل يضاف إلى سبب محظور، وفعل كل واحد منهما وهو المشي في الطريق مباح في حق نفسه محظور في حق صاحبه إذ هو مقيد بشرط السلامة على ما بينا، فسقط اعتبار فعله في حق نفسه لكونه مباحا فيضاف قتله كله إلى فعل الآخر لكونه محظورا في حقه وصار كالماشي مع الحافر، فإن التلف حصل بفعلهما وهو الحفر والمشي، ومع هذا فإن التلف إنما يضاف إلى فعل الحافر لأنه محظور لا إلى فعل الماشي لأنه مباح؛ ولو كانا عامدين في الاصطدام ضمن كل واجد منهما نصف الدية، لأن فعل كل واحد منهما محظور فأضيف التلف إلى فعلهما؛ ولو كانا عبدين فهما هدر‏.‏ أما في الخطأ فلأن الجناية تعلقت برقبة كل واحد منهما دفعا أو فداء وقد فات بغير فعل المولى لا إلى بدل فسقط ضرورة؛ وأما العمد فلأن كل واحد منهما هلك بعد ما جنى فسقط القصاص‏.‏ في نوادر ابن رستم رجل سار على دابة فجاء راكب من خلفه فصدمه فعطب المؤخر لا ضمان على المقدم، وإن عطب المقدم فالضمان على المؤخر، وكذا في السفينتين‏.‏ ولو كانا دابتين وعليهما راكبان قد استقبلتا واصطدمتا فعطبت إحداهما فالضمان على الآخر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولو تجاذبا حبلا فانقطع وماتا، فإن وقعا على ظهريهما فهما هدر‏)‏ لأن موت كل واحد منهما مضاف إلى فعله وقوة نفسه لا قوة صاحبه ‏(‏وإن سقطا على وجهيهما فعلى عاقلة كل واحد دية الآخر‏)‏ لأنه سقط بقوة صاحبه وجذبه ‏(‏وإن اختلفا فدية الواقع على وجهه على عاقلة الواقع على ظهره‏)‏ لأنه مات بقوة صاحبه ‏(‏وهدر دم الذي وقع على ظهره‏)‏ لأنه مات بقوة نفسه ‏(‏وإن قطع آخر الحبل فماتا فديّتهما على عاقلته‏)‏ لأنه مضاف إلى فعله وهو القطع فكان مسببا‏.‏

فصل‏:‏ ‏[‏في جناية العبد‏]‏

‏(‏إذا جنى العبد خطأ فمولاه إما أن يدفعه إلى ولي الجناية فيملكه أو يفديه بأرشها‏)‏ وسواء كانت الجناية على حر أو عبد في النفس أو فيما دونها قل أرشها أو كثر، لما روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ إذا جنى العبد فمولاه بالخيار إن شاء دفعه وإن شاء فداه‏.‏ وعن عمر رضي الله عنه‏:‏ عبيد الناس أموالهم وجنايتهم في رقبتهم‏.‏ وعن علي رضي الله عنه مثله، ولأنها جناية يمكن استيفاؤها من الرقبة فتتعلق بها الجناية كجناية العمد‏.‏ وإذا تعلقت برقبته، فإذا خلى المولى بينه وبين ولي الجناية سقطت المطالبة عنه كما في العمد، ولأنه إنما خوطب بالجناية لأجل ملكه، فإذا سقط حقه زالت المطالبة كالوارث إذا خلّى بين التركة وبين أرباب الديون؛ فإذا اختار الفداء فحق ولي الجناية في الأرش، فإذا استوفاه سقط حقه، إلا أن الواجب الأصلي هو الدفع حتى يسقط موجب الجناية بموت العبد لفوات محله، إلا أن له حق الفداء لما ذكرنا كدفع القيّم في الزكاة‏.‏ ولو اختار المولى الفداء ثم مات العبد فالفداء عليه، لأن بالاختيار انتقل الحق من الرقبة إلى الذمة فلا يسقط بموت العبد كغيره من الديون، وليست جناية العبد كدينه في تعلقه برقبته، لأن جناية الحر الخطأ يطالب بها غيره وهم العاقلة، وديونه لا يطالب بها غيره، فكذلك العبد جنايته الخطأ يطالب بها غيره وهو المولى، وديون تتعلق به، ولا يطالب بها غيره، وإنما يملكه بالدفع لأنه عوض جنايته فيملكه كسائر المعاوضات‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وكذلك إن جنى ثانيا وثالثا‏)‏ معناه إذا جنى بعد الفداء من الأولى يخيّر المولى كالأولى لأنه لما فداه فقد طهر عن الجناية وصارت كأن لم تكن فهذه تكون جناية مبتدأة، وكذا الثالثة والرابعة وغيرها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن جنى جنايتين فإما أن يدفعه إليهما يقتسمانه بقدر ما لكل واحد منهما من أرش جنايته أو يفديه بأرشهما‏)‏ وكذلك إن جنى على جماعة إما أن يدفعه إليهم يقتسمونه بالحصص، وإما أن يفديه بجميع أرشهم، لأن تعلق الجناية برقبته لا يمنع تعلق مثلها كما في الديون، ولأن حق المولى لم يمنع تعلق الجناية برقبته، فحق ولي الجناية الأولى أولى أن لا يمنع‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن أعتقه المولى قبل العلم بالجناية ضمن الأقل من قيمته ومن الأرض وبعد العلم يضمن جميع الأرش‏)‏ لأن حقه في أحدهما، ففي الأولى خياره باق فيختار الأقل، وفي الثانية لما علم فقد اختار الفداء لأن بالعتق امتنع الدفع بسبب من جهته فكان مختارا للفداء، والبيع والهبة والتدبير والاستيلاد بمنزلة الإعتاق، لأن كل ذلك يمنع الدفع، وكذلك لو باعه من المجني عليه كان اختيارا، ولو وهبه لا لأن المستحق أخذه بغير عوض وقد وجد في الهبة دون البيع‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي المدبر وأم الولد يضمن الأقل من قيمتهما ومن الأرش‏)‏ لما روي أن أبا عبيدة بن الجراح قضى بجناية المدبر على مولاه وهو أمير الشام بمحضر من الصحابة من غير نكير، ولأن المولى صار مانعا من تسليمه في الجناية بالتدبير والاستيلاد من غير اختيار للفداء فصار كما إذا دبره وهو لا يعلم بالجناية، وإنما لزمه الأقل لأن الأرش إن كان أقل فلا حق لولي الجناية غير الأرش، وإن كانت القيمة أقل فلم يتلف بالتدبير إلا الرقبة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن عاد فجنى وقد دفع القيمة بقضاء فلا شيء عليه، ويشارك ولي الجناية الثانية الأول فيما أخذ‏)‏ لأن جنايات المدبر وإن تعددت لا توجب إلا قيمة واحدة، لأنه لم يمنع إلا رقبة واحدة والضمان متعلق بالمنع فصار كأنه دبره بعد الجنايات، ولأن دفع القيمة كدفع العبد، ودفع العبد لا يتكرر فكذا القيمة، ويتضاربون بالحصص في القيمة كما مر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن دفع المولى القيمة بغير قضاء، فإن شاء الثاني شارك الأول، وإن شاء اتبع المولى، ثم يرجع المولى على الأول‏)‏ وقالا‏:‏ لا شيء على المولى، لأنه لما دفع لم تكن الجناية الثانية موجودة فقد دفع الحق إلى مستحق وصار كما إذا دفعه بقضاء‏.‏ ولأبي حنيفة أن الجنايات استند ضمانها إلى التدبير الذي صار المولى به مانعا، فكأنه دبر بعد الجنايات فيتعلق حق جماعتهم بالقيمة، فإذا دفعها بقضاء فقد زالت يده عنها بغير اختياره فلا يلزمه ضمانها، وإن دفعها بغير قضاء فقد سلم إلى الأول ما تعلق به حق الثاني، فللثاني أن يضمن أيهما شاء المولى، لأنه جنى بالدفع إلى غير مستحقه، والأول لأنه قبض حقه ظلما وصار كالوصي إذا صرف التركة إلى الغرماء ثم ظهر غريم آخر، فإن دفعه بقضاء شارك الغريم الآخر الغرماء فيما قبضوه، وإن دفع بغير قضاء، إن شاء رجع على الوصي، وإن شاء شارك الغرماء كذا هذا، فإن اتبع المولى رجع المولى على الأول لأنه سلم إليه غير حقه‏.‏ وإن شارك الأول لم يرجع على أحد، لأن الحاصل الضمان عليه؛ وتعتبر قيمة المدبر لكل واحد منهم يوم جنى عليه ولا يعتبر التدبير لأن المولى صار مانعا من تسليمه في الحال بالتدبير السابق فكأنه جنى ثم دبره، فتعتبر قيمته حينئذ؛ مثاله‏:‏ قتل قتيلا خطأ وقيمته ألف فازدادت خمسمائة، ثم قتل آخر فولي الجناية الثانية يأخذ من المولى خمسمائة فضل القيمة تحسب عليه من أرش جنايته، فتقسم الألف على تسعة وثلاثين جزءا، لأن ما زاد على القيمة بعد الجناية الأولى لا حق لوليها فيه لأنها حدثت وقد تعلق حقه في الذمة فينفرد بها ولي الجناية الثانية فيبقى له من الدية تسعة آلاف وخمسمائة وللأول دية كاملة عشرة آلاف، فاجعل كل خمسمائة بينهما للأول عشرون وللثاني تسعة عشر فاقسم الألف كذلك؛ ولو جنى المدبر خطأ ثم مات عقيبها بلا فصل لم تبطل القيمة على المولى لأنها وجبت في ذمته عقيب الجناية، فبقاء الرقبة وتلفها سواء، وكذلك لو عمي بعد الجناية لا ينقص شيء من القيمة لما بينا؛ ولو أعتق المدبر المولى وقد جنى جنايات لم تلزمه إلا قيمة واحدة، لأن الضمان إنما وجب عليه بالمنع بالتدبير فكان الإعتاق بعده وعدمه سواء‏.‏ وإذا أقر المدبر بجناية خطأ لم يجز إقراره ولا يلزمه شيء عتق أو لم يعتق لأنها لازمة لمولاه، وإقراره على المولى لا يتعلق به حكم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ومن قتل عبدا خطأ فعليه قيمته لا يزاد على عشرة آلاف درهم إلا عشرة، وللأمة خمسة آلاف إلا عشرة، وإن كان أقل من ذلك فعليه قيمته‏)‏ وقال أبو يوسف‏:‏ تجب قيمته بالغة ما بلغت؛ ولو غصب عبدا قيمته عشرون ألفا فهلك في يده تجب قيمته بالإجماع‏.‏ لأبي يوسف أنها جناية على المال فتجب القيمة غير مقدرة كالبهائم، وهذا لأن الواجب للمولى، والمولى إنما يملكه من حيث المالية فيكون الواجب بدل المالية‏.‏ وعن علي وابن عمر رضي الله عنهم مثل قوله‏.‏ ولهما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فدية مسلمة إلى أهله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 92‏]‏ مطلقا، والدية اسم للواجب بمقابلة الآدمية، ولأنها جناية على نفس آدمي فلا يزيد على عشرة آلاف كالحر، ولأن المعاني التي في العبد موجودة في الحر، وفي زيادة الحرية، فإذا لم يجب فيه أكثر من الدية فلأن لا يجب في العبد مع نقصانه أولى، ولأن فيه معنى الآدمية حتى كان مكلفا، وفي معنى المالية والجمع بينهما متعذر، والآدمية أعلى فتعتبر؛ ويسقط الأدنى بخلاف البهائم لأنها مال محض، وبخلاف الغصب لأن الغصب إنما يرد على المال فكان الواجب بمقابلة المال‏.‏ وعن ابن مسعود مثل مذهبهما‏.‏ وأما قليل القيمة فالواجب بمقابلة الآدمية أيضا، إلا أنه لا نص فيه فقدرناه بقيمته رأيا إذ هو الأعدل، وفي كثير القيمة نص لأنه ورد في الحر بعشرة آلاف، إلا أنا نقصنا دية العبد من ذلك إظهارا لشرفه وانحطاطا لرتبة العبد عنه، والتقدير بعشرة مأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولأنه أقل مال له خطر في الشرع لأن به تستباح الفروج والأيدي فقدرناه به، وكذلك الأمة على الخلاف والتعليل في كثير القيمة وقليلها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وما هو مقدر من الدية مقدر من قيمة العبد‏)‏ ففي يد العبد خمسة آلاف إلا خمسة إذا كان كثير القيمة، لأن الواجب في نفسه عشرة آلاف إلا عشرة واليد نصف الآدمي فيجب نصف ما في النفس، وعلى هذا سائر الأعضاء‏.‏

باب القسامة

وهي مصدرة أقسم يقسم قسامة، وهي الأيمان، وخص هذا الباب بهذا الاسم لأن مبناه على الأيمان في الدماء، وهي مشروعة بالإجماع، والأحاديث على ما يأتيك‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏القتيل‏:‏ كل ميت به أثر‏)‏ أي أثر القتل؛ لأنه إذا كان لم يكن به أثر فالظاهر أنه مات حتف أنفه وليس بقتيل فلا يتعلق به يمين ولا ضمان، وأثر القتل جرح أو أثر ضرب أو خنق أو خروج الدم من عينه أو أذنه، لأن الدم لا يخرج منها عادة إلا بفعل، أما إذا خرج من فمه أو دبره أو ذكره فليس بقتيل، لأن الدم يخرج من هذا المواضع من غير فعل عادة، وهذا لأن القتيل من فاتت حياته بسبب يباشره غيره من الناس عرفا، فإذا علمنا أنه قتيل‏.‏ ‏(‏فإذا وجد في محلة لا يعرف قاتله‏)‏ لأنه إذا عرف قاتله لا قسامة، فإذا لم يعرف ‏(‏وادعى وليه القتل على أهلها أو على بعضهم عمدا أو خطأ ولا بينة له يختار منهم خمسين رجلا‏)‏ لأن الحق له فلا بد من دعواه، وإذا كان له بينة فلا حاجة إلى القسم، فإذا ادعى ولا بينة له وجبت اليمين فيختار خمسين رجلا‏.‏ ‏(‏يحلفون بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم يقضي بالدية على أهل المحلة‏)‏ أي على عاقلتهم‏.‏ والأصل في ذلك ما روي ‏(‏أن عبد الله بن سهل وجد قتيلا في قليب في خيبر فجاء أخوه عبد الرحمن وعماه حويصة ومحيصة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏الكبر الكبر، فتكلم الكبير من عميه فقال‏:‏ يا رسول الله إنا وجدنا عبد الله قتيلا في قليب من قلب خيبر، فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏'‏ تبرؤكم اليهود بخمسين يمينا يحلفون أنهم ما قتلوه ‏؟‏ ‏'‏ قالوا‏:‏ كيف نرضى بأيمان اليهود وهم مشركون ‏؟‏ فقال‏:‏ ‏'‏ فيقسم منكم خمسون رجلا أنهم قتلوه ‏؟‏ ‏'‏ قالوا‏:‏ كيف نقسم على ما لم نره ‏؟‏ فوداه عليه الصلاة والسلام من عنده، عن سعيد بن المسيب أن القسامة كانت في الجاهلية، وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتيل من الأنصار وجد في جب اليهود، فأرسل رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى اليهود وكلفهم قسامة خمسين، فقالت اليهود له‏:‏ نحلف، فقال للأنصار‏:‏ ‏'‏ أتحلفون وتستحقون ‏؟‏ ‏'‏ فقالت الأنصار‏:‏ لن نحلف، فألزم اليهود ديته لأنه قتل بين أظهرهم‏.‏ وروي أن رجلا جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال‏:‏ يا رسول الله إني وجدت أخي قتيلا في بني فلان، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏'‏ اجمع منهم خمسين يحلفون بالله ما قتلوه ولا علموا له قاتلا ‏'‏، فقال‏:‏ يا رسول الله ما لي من أخي إلا هذا ‏؟‏ قال‏:‏ ‏'‏ بلى مائة من الإبل‏)‏‏.‏ فدلت هذه الأحاديث على وجوب الأيمان والدية على أهل المحلة، وترد على من يقول بوجوب البداءة بيمين الولي، ولأن أهل المحلة يلزمهم نصرة محلتهم وحفظها وصيانتها عن النوائب والقتل، وصون الدم المعصوم عن السفك والهدر، فالشرع ألحقهم بالقتلة لترك صيانة المحلة في حق وجوب الدية صونا للآدمي المحترم المعصوم عن الإهدار، ولأن الظاهر أن القاتل منهم وإنما قتل بظهرهم فصاروا كالعاقلة‏.‏ وأما قوله عليه الصلاة والسلام للأنصار‏:‏ ‏(‏أتحلفون وتستحقون ‏؟‏‏)‏ فهو على طريق الإنكار عليهم لما قالوا‏:‏ لا نرضى بيمين اليهود، ولهذا ثبت فيه النون، ولو كان أمرا لقال‏:‏ احلفوا تستحقوا دم صاحبكم‏.‏ وما روي ‏(‏تحلفون وتستحقون‏)‏ فمعناه أتحلفون كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 67‏]‏ أي أتريدون، ولأن البداءة بيمين الولي مخالف لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏البينة على المدعي واليمين على من أنكر‏)‏ ولأنه يدخل تحت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 77‏]‏ الآية، ويختار الولي خمسين رجلا لأن اليمين حقه فيختار من يظهر حقه باختياره، أما من اتهمه بالقتل أو الصالحين منهم ليحترزوا عن اليمين الكاذبة فيظهر القاتل، فإذا حلفوا قضى بالدية على عاقلتهم لما روينا، سواء ادعى القتل على جميع أهل المحلة أو على بعضهم معينين أو مجهولين لإطلاق النصوص‏.‏ وعن أبي يوسف إذا ادعى على بعض بأعيانهم تسقط القسامة والدية عن الباقين، فإن كان له بينة وإلا يستحلف المدعى عليه يمينا واحدة كسائر الدعاوى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وكذلك إن وجد بدنه أو أكثره أو نصفه مع الرأس‏)‏ لأن النص ورد في البدن، وللأكثر حكم الكل تعظيما للآدمي، وإن وجد نصفه مشقوقا بالطول أو أقل من النصف ومعه الراس، أو وجد رأسه أو يده أو رجله أو عضو منه آخر فلا قسامة ولا دية، لأن النص ورد في البدن وهذا ليس في معناه، ولأنه لو وجبت فيه القسامة لوجبت لو وجد عضو آخر أو النصف الآخر فتتكرر القسامة أو الدية بسبب نفس واحدة ولم يرد بذلك نص‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن لم يكن فيه خمسون كررت الأيمان عليهم لتتم خمسين‏)‏ لما روي أن رجلا قتل بين حيين باليمن وادعة وأرحب، فكتبوا إلى عمر رضي الله عنه أنه وجد قتيل لا يدري من قتله؛ فكتب عمر أن قس بين القريتين فأيهم كان أقرب فألزمهم، فكان إلى وادعة فأتوا عمر رضي الله عنه وكانوا تسعة وأربعين رجلا فأحلفهم وأعاد اليمين على رجل منهم حتى تموا خمسين ثم ألزمهم الدية، فقالوا‏:‏ نعطي أموالنا وأيماننا ‏؟‏ فقال‏:‏ نعم فيم يطل دم هذا ‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏ومن أبى منهم حبس حتى يحلف‏)‏ لأن اليمين في القسامة نفس الحق، ألا ترى أنه يجمع بينها وبين الدية ‏؟‏ ويدل عليه ما تقدم من حديث عمر رضي الله عنه حين قالوا‏:‏ نبذل أموالنا وأيماننا، أما تجزئ هذه عن هذه ‏؟‏ قال‏:‏ لا، وإذا كانت نفس الحق يحبس عليه لأنه قادر على أدائه، بخلاف الامتناع عن اليمين في الأموال، لأن اليمين فيها بدل عن الحق حتى يسقط ببذل المدعي، فإذا نكل لزمه المال وهو حقه، فلا معنى للحبس بما ليس بحق‏.‏ أما هنا لا يسقط اليمين ببذل الدية وكان الحبس بحق فافترقا‏.‏ وعن أبي يوسف أنه تجب الدية بالنكول كما في سائر الدعاوى، وجوابه ما مر أنه مستحق عليه لنفسه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يقضي بالدية بيمين الولي‏)‏ لأن اليمين شرّعت للدفع لا للاستحقاق، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام أوجب اليمين على المنكر للدفع عنه بقوله‏:‏ ‏(‏واليمين على المنكر‏)‏ والولي يحتاج إلى الاستحقاق فلا يشرع في حقه، ولأنه لا يستحق بيمينه المال المبتذل المهان، فلأن لا تستحق النفس المحترمة أولى‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يدخل في القسامة صبي ولا مجنون‏)‏ لأنهما ليسا من أهل اليمين ‏(‏ولا عبد ولا امرأة‏)‏ لأنهما ليسا من أهل النصرة، وإنما تجب على أهلها‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن ادعى الولي القتل على غيرهم سقطت عنهم القسامة ولا تقبل شهادتهم على المدعى عليه‏)‏ لأن اليمين إنما تلزم بالدعوى وكذلك الدية ولم يدّع عليهم، ثم إن كان له بينة على المدعى عليه وإلا يلزمه يمين واحدة كسائر الدعاوى فإن حلفه برئ وإن نكل فعلى خلاف مر في الدعوى، وإنما لا تقبل شهادتهم لأنهم تعينوا للخصومة حيث وجد القتيل فيهم فصاروا كالوكيل بالخصومة، والوصي إذا شهد بعد العزل والخروج عن الوصية، ولأنهم متهمون في شهادتهم لاحتمال أنه جعل ذلك وسيلة إلى قبول شهادتهم‏.‏ وقالا‏:‏ تقبل لأنه لما ادعى على غيرهم سقطت عنهم القسامة فلا تهمة في شهادتهم وجوابه ما مر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن وجد على دابة يسوقها إنسان فالدية على عاقلة السائق‏)‏ لأن الدابة في يده فكأنه وجده في داره ‏(‏وكذا القائد والراكب‏)‏ ولو اجتمعوا فالدية على عاقلتهم لأن الدابة في أيديهم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن وجد في دار إنسان فالقسامة عليه وعلى عاقلته إن كانوا حضورا‏)‏ وقال أبو يوسف‏:‏ لا قسامة على العاقلة لأن رب الدار أخص بالدار من غيره فصار كأهل المحلة لا يشاركهم في القسامة غيرهم‏.‏ ولهما أن بالحضور تلزمهم نصرة البقعة كصاحب

الدار فيشاركونه في القسامة‏.‏ ‏(‏وإن كانوا غيّبا كررت الأيمان عليه والدية على العاقلة‏)‏ لما تقدم، وإن وجد في دار مشتركة نصفها لرجل وعشرها لآخر وسدسها لآخر والباقي لآخر فالقسامة على عدد رؤوسهم لأنهم يشتركون في التدبير فكانوا في الحفظ سواء، والقسامة على أهل الخطة، وهم الذين خط لهم الإمام عند فتحها ولا يدخل معهم المشترون‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ يشترك الكل في ذلك لأنها وجبت بترك الحفظة ممن له ولاية الحفظ والولاية بالملك، فيستوي أهل الخطة والمشترون لاستوائهم في الملك‏.‏ ولهما أن أهل الخطة أخص بنصرة البقعة، والحكم يتعلق بالأخص فكان المشتري معهم كالأجنبي، ولأن العقل تعلق في الأصل بأهل الخطة فما بقي منهم واحد لا ينتقل عنهم كموالي الأب إذا لزمهم العقل لا ينتقل إلى موالي الأم ما بقي منهم واحد، وقيل بأن أبا حنيفة شاهد الكوفة وأهل الخطة كانوا يدبرون أمر المحلة وينصرونها دون المشتري، فبني الأمر على ذلك، فإذا لم يبق من أهل الخطة أحد وكان في المحلة مشترون وسكان، فالقسامة على الملاك دون السكان‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ عليهم جميعا لأن النبي عليه الصلاة والسلام أوجب القسامة على يهود خيبر وكانوا سكانا، ولأن الساكن يلي التدبير كالمالك‏.‏ ولهما أن المالك أخص بالبقعة ونصرتها، ألا ترى أن السكان يكونون في وقت وينتقلون في وقت فتجب القسامة على من هو أخص، وأما أهل خيبر فالنبي عليه الصلاة والسلام أقرهم على أملاكهم وكان يأخذ منهم الخراج‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن وجد بين قريتين فعلى أقربهما‏)‏ لما روى أبو سعيد الخدري ‏(‏أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر في مثله بأن يذرع بين القريتين‏)‏ ولما مر من حديث عمر رضي الله عنه، وهذا ‏(‏إذا كانوا يسمعون الصوت‏)‏ لأنه يلحقه الغوث، فأما إذا كانوا لا يسمعون الصوت ولا يلحقه الغوث فلا شيء عليهم، ولو كان يسمع الصوت أهل إحدى القريتين دون الأخرى فالقسامة على الذين يسمعون لما قلنا ‏(‏ولو وجد في السفينة فالقسامة على الملاحين والركاب‏)‏ وهذا على قول أبي يوسف ظاهر لأنه يرى القسامة على الملاك والسكان‏.‏ وأما على قولهما فالسفينة تنقل وتحوّل فتعتبر فيها اليد دون الملك كالدابة، ولا كذلك الدار والمحلة فافترقا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي مسجد محلة على أهلها‏)‏ لأنهم أخص بنصرته والتصرف فيه فكأنه وجد في محلتهم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وفي الجامع والشارع الأعظم الدية في بيت المال ولا قسامة‏)‏ وكذلك الجسور العامة لأن ذلك لا يختص بالبعض بل يتعلق بجماعة المسلمين، فما يجب لأجله يكون في بيت مالهم، ولأن اليمين للتهمة وذلك لا يوجد في جماعة المسلمين، وكذلك ولو وجد في السجن‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ القسامة على أهل السجن والدية على عاقلتهم، لأن الظاهر أن القتل وجد منهم‏.‏ ولهما أنهم مقهورون لا نصرة لهم فلا يجب عليهم ما يجب لأهل النصرة، ولأن منفعة السجن لجماعة المسلمين، لأنه وضع لاستيفاء حقوقهم ولدفع الضرر عنهم فكانت النصرة عليهم، وهذه من فروع المالك والساكن لأن أهل السجن كالسكان فلا يجب عليهم شيء خلافا لأبي يوسف، وإن وجد في السوق إن كان مملوكا فعلى الملاك‏.‏ وعند أبي يوسف على السكان أيضا، وإن كان غير مملوك أو هو للسلطان فهو كالشارع العام الذي ثبت فيه حق جماعة المسلمين وسوق السلطان للمسلمين، فما يجب فيه يكون في بيت المال ويؤخذ في ثلاث سنين، لأن حكم الدية التأجيل كما في العاقلة فكذلك غيرهم، ألا ترى أنها تؤخذ من مال المقر بقتل الخطأ في ثلاث سنين ‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن وجد في برية أو في وسط الفرات فهو هدر‏)‏ لأنه لا يد لأحد عليه ولا مملوكا لأحد ولا يسمع الصوت منه أهل مصر ولا قرية فكان هدرا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن كان محتبسا بالشاطئ فعلى أقرب القرى منه إن كانوا يسمعون الصوت‏)‏ لأنهم أخص به من غيرهم، ألا ترى أنهم يشربون منه ويوردون عليه دوابهم فكانوا أخص بنصرته فيجب عليهم كأهل المحلة؛ ولو وجد في نهر صغير خاص مما يقضي فيه بالشفعة فعلى عاقلة أرباب النهر لأنه مملوك لهم، فهم أخص به من غيرهم فيتعلق بهم ما يوجد فيه كالدور والسوق والمملوك؛ ومن وجد قتيلا في دار نفسه فديته على عاقلته لورثته، وقالا‏:‏ لا شيء فيه لأن الدار في يده حالة الجرح فكأنه قتل نفسه، ولو قتل نفسه كان هدرا كذا هذا‏.‏ ولأبي حنيفة أن القسامة وجبت لظهور القتل وحالة الظهور الدار ملك الورثة فتجب الدية على عاقلتهم، وهل تجب القسامة عليهم ‏؟‏ فيه اختلاف المشايخ، وهذا بخلاف ما إذا وجد المكاتب قتيلا في دار نفسه، لأن الدار على ملكه حالة ظهور القتل، فكأنه قتل نفسه فهدر‏.‏ رجلان في بيت لا ثالث معهما وجد أحدهما قتيلا يضمن الآخر الدية عند أبي يوسف، وقال محمد‏:‏ لا شيء عليه لأنه احتمل أنه قتل نفسه وأنه قتله صاحبه فلا تجب الدية بالشك‏.‏ ولأبي يوسف أن الإنسان لا يقتل نفسه ظاهرا فسقط اعتباره كما إذا وجد في محلة‏.‏

باب المعاقل

‏(‏وهي جمع معقلة وهي الدية‏)‏ وسميت الدية عقلا لوجهين‏:‏ أحدهما أنها تعقل الدماء من أن تراق‏.‏ والثاني أن الدية كانت إذا أخذت من الإبل تجمع فتعقل ثم تساق إلى ولي الجناية ‏(‏والعاقلة الذين يؤدونها‏)‏ والأصل في وجوب الدية على العاقلة ما تقدم من حديث الجنين حيث قال عليه الصلاة والسلام لأولياء الضاربة‏:‏ ‏(‏قوموا فدوه‏)‏ وروي ‏(‏أنه عليه الصلاة والسلام جعل على كل بطن من الأنصار عقولة‏)‏ والمعقول أيضا يدل عليه، وهو أن الخاطئ معذور، وعذره لا يعدم حرمة النفس بل يمنع وجوب العقوبة عليه فأوجب الشرع الدية صيانة للنفس عن الإهدار، ثم في إيجاب الكل عليه إجحاف واستئصال به فيكون عقوبة له، فتضم العاقلة إليه دفعا للعقوبة عنه‏.‏ ولأن ذلك إنما يكون بظهر عشيرته وقوة يجدها في نفسه بكثرتهم وقوة أنصاره منهم، فكانوا كالمشاركين له في القتل فضمنوا إليه لذلك كالردء والمعين لأنه يتحمل عنهم إذا قتلوا ويتحملون عنه إذا قتل فتكون من باب المعاونة كعادة الناس في التعارف؛ بخلاف المتلفات لأنها لا تكثر قيمتها فلا يحتاج إلى التخفيف، والدية مال كثير يجحف بالقاتل فاحتاج إلى التخفيف‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويجب عليهم كل دية وجبت بنفس القتل‏)‏ كالخطأ وشبه العمد، وهذا احتراز عما وجب بالصلح والاعتراف أو سقط القتل فيه بشبهة كالأب، وإنما وجبت دية شبه العمد على العاقلة لحديث الجينن، ألا ترى أنها تعمدت ضربها بالعمود فقضى عليه الصلاة والسلام بالدية على العاقلة، ولأنه قتل أجري كالخطأ في باب الدية فكذلك في تحمل العاقلة‏.‏ وقضى عمر رضي الله عنه بالدية في الخطأ على العاقلة بحضرة الصحابة من غير خلاف‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن كان القاتل من أهل الديوان فهم عاقلته‏)‏ وهم الذين لهم رزق في بيت المال، وفي زماننا هم أهل العسكر لكل راية ديوان على حدة، وذلك لأن العرب كانوا يتناصرون بأسباب منها القرابة والولاء والحلف وغير ذلك، وبقوا على ذلك إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء عمر ودوّن الدواوين صار التناصر بالدواوين، فأهل كل ديوان ينصر بعضهم بعضا وإن كانوا من قبائل متفرقة‏.‏ وقد صح أن عمر رضي الله عنه فرض العقل على أهل الديوان وكان قبل ذلك على عشيرة الرجل في أموالهم، لأنه أول من وضع الديوان فجعل العقل فيه، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم فكان إجماعا منهم، وهو على وفاق ما قضى به رسول الله عليه الصلاة والسلام معنى، فإنهم علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به على العشيرة باعتبار النصرة ثم الوجوب بطريق الصلة، فإيجابه فيما يصل إليهم صلة وهو العطاء أولى، وأهل كل ديوان فيما يصل إليهم من ذلك كنفس واحدة‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين‏)‏ لما تقدم من حديث عمر وهو مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا وتعتبر الثلاث سنين من يوم القضاء لأن الدية تجب يوم القضاء، وسواء خرجت في أقل أو أكثر لأنه إنما وجبت في العطاء تخفيفا، فإذا حصلت في أي وقت حصل وجد المقصود فيؤخذ منه، فإن تأخر خروج العطاء لم يطالبوا بشيء، وإن تعجل الثلاث سنين أخذ منها الجميع لما ذكرنا؛ وإذا وجب جميع الدية في ثلاث سنين كان كل ثلث في سنة فإذا وجب الثلث فما دونه كان في سنة، وما زاد على الثلث إلى الثلثين في سنتين، وما زاد إلى تمام الدية في السنة الثالثة، وإن كانت العاقلة أصحاب الرزق أخذ من أرزاقهم في ثلاث سنين، فإن خرجت أرزاقهم في كل سنة أخذ منها الثلث، وإن خرجت في كل ستة أشهر أخذ منها السدس في كل شهر بحصته، وعلى هذا فالحاصل أنه يؤخذ في كل سنة الثلث كيفما خرج، لأن الأرزاق لهم كالأعطية لأهلها، وإن كان لهم أرزاق في كل شهر وأعطية في كل سنة أخذ من أعطيتهم لأنه أسهل، فإن الرزق يكون بقدر الكفاية لكل شهر أو لكل يوم فيشق عليهم الأخذ منه‏.‏ أما العطاء فيكون في كل سنة بقدر عنائه واختباره في الحروب لا بحاجته فكان الأخذ منه أسهل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته‏)‏ وهم عصبته من النسب لما روي ‏(‏أنه صلى الله عليه وسلم أوجب الدية على عصبة القاتل‏)‏ ولأن تناصرهم بالقرب‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يزاد الواحد على أربعة دراهم أو ثلاثة وينقص منها‏)‏ يؤخذ منه كل سنة درهم وثلث أو درهم لأن الأصل فيها التخفيف وتجب صلة، فقدروه في كل سنة بالدرهم لأنه أقل المقدرات، ويزاد ثلث درهم وهو المختار ليكون الأكثر من الأقل وما لم يبلغ النصف فهو في حكمه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسبا‏)‏ تحرزا عن الإجحاف وتحقيقا لمعنى التخفيف فيضم إليهم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات لأن التناصر يقع بذلك، وكذلك أهل الديوان إذا لم يتسع الديوان للدية يضم إليهم أقرب الرايات إليهم نصرة إذا حزّ بهم أمر أو دهمهم عدو، وهو مفوّض إلى رأي الإمام إذ هو أعلم بذلك، ومن لا عاقلة له في رواية تجب في بيت المال، لأنه لو مات ولا وارث له ورثه بيت المال، فإذا جنى يكون عليه ليكون المغنم بالغرم، وفي رواية في مال الجاني لأن الأصل أن تجب عليه لأنه الجاني إلا أنا أوجبناه على العاقلة لما ذكرنا فإذا لم تكن عاقلة عاد إلى الأصل‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإن كان ممن يتناصرون بالحرف فأهل حرفته، وإن تناصروا بالحلف فأهله‏)‏ لما بينا أن المعنى فيه هو التناصر، ومن ليس له ديوان ولا عشيرة، قيل يعتبر المحال والقرى والأقرب فالأقرب، وقيل تجب في ماله، وقيل إن كان القاتل مسلما تجب في بيت المال، لأن الدية تجب باعتبار النصرة، وجماعة المسلمين يتناصرون ويذب بعضهم عن بعض وعلى هذا الخلاف اللقيط، ولا تعقل مدينة عن مدينة وتعقل المدينة عن قراها لأن أهل المصر يتناصرون بديوانهم وأهل سوادهم وقراهم، ولا يتناصرون بأهل ديوان مص آخر، والباديتان إذا اختلفتا كمصرين‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ويؤدي القاتل كأحدهم‏)‏ لأنه إنما لم يجب عليه الكل مخافة الإجحاف، ولا إجحاف في هذا ولأنه الجاني فلا أقل من أن يكون كأحدهم، ولأنها تجب بالتناصر وهو أولى بنصرة نفسه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا عقل على الصبيان والنساء‏)‏ لقول عمر رضي الله عنه‏:‏ لا يعقل مع العاقلة صبي ولا امرأة ولأنهما ليسا من أهل النصرة، ولأن الدية تؤدى على طريق الصلة والتبرع والصبي ليس من أهلها ‏(‏ولا على عبد ومدبر ومكاتب‏)‏ لأن العرب لا تستنصر بهم‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا يعقل كافر عن مسلم ولا بالعكس‏)‏ لعدم التناصر، والكفار يعقل بعضهم عن بعض، لأن الكفر كله ملة واحدة إلا أن يكون بينهم معاداة وحِراب فلا يتعاقلون لعدم التناصر‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا كان للذمي عاقلة فالدية عليهم‏)‏ كالمسلم لالتزامهم أحكامنا في المعاملات ولوجود التناصر بينهم ‏(‏وإن لم يكن له عاقلة فالدية في ماله في ثلاث سنين‏)‏ كما قلنا في المسلم، وهذا لأن الواجب عليه وإنما يتحول إلى العاقلة إذا وجدت فإذا لم يكن بقيت عليه‏)‏‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وعاقلة المعتق قبيلة مولاه‏)‏ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏مولى القوم منهم‏)‏ ولأن نصرته بهم ‏(‏وعاقلة المولى الموالاة مولاه وقبيلته‏)‏ لأن عقد الموالاة عقد يتناصرون به‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وولد الملاعنة تعقل عنه عاقلة أمه‏)‏ لأن نسبته إليهم فينصرونه ‏(‏فإن ادعاه الأب بعد ذلك رجع عاقلة الأم على عاقلة الأب‏)‏ لأنه ظهر أن الدية كانت واجبة على عاقلة الأب حيث أكذب نفسه وبطل اللعان وثبت نسبه منه، فقوم الأم تحملوا مضطرين عن قوم الأب ما كان عليهم فيرجعون به عليهم في ثلاث سنين من حيث قضي لعاقلة الأم على عاقلة الأب‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وتتحمل العاقلة خمسين دينارا فصاعدا وما دونها في مال الجاني‏)‏ لما روينا أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالغرة على العاقلة وهي خمسون دينارا‏.‏ وعن عمر مرفوعا وموقوفا ‏(‏لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا اعترافا ولا صلحا ولا ما دون أرش الموضحة‏)‏ وعن ابن عباس مثله، ولأن التحمل على العاقلة إنما كان تحرزا عن الإجحاف وهو في الكثير دون القليل، والقدر الفاصل بينهما ما ورد به الشرع وهو ما ذكرنا‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏ولا تعقل العاقلة ما اعترف به الجاني إلا أن يصدقوه‏)‏ لما روينا، ولأنه لا يلزمهم إقراره عليهم، إذ لا ولاية له عليهم، فإذا صدقوه فقد رضوا به فيلزمهم‏:‏ ولو تصادق القاتل وولي الجناية على أن قاضيا من قضاة المسلمين حكم على العاقلة بالدية وكذبتهما العاقلة فلا شيء عليهم، لأن تصادقهما ليس بحجة عليهم، وليس على القاتل شيء في ماله، لأن الدية تقررت على العاقلة لتصادقهم وهو حجة في حقهما، بخلاف الأول حيث تجب الدية في ماله باعترافه، وتعذر إيجابها على العاقلة فتجب عليه‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏وإذا جنى الحر على العبد خطأ فعلى عاقلته‏)‏ لأنها بدل النفس فتكون على العاقلة كما في الحر‏.‏ وروي عن أبي يوسف أنها في مال القاتل، وحمل قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ولا عبدا‏)‏ فيما جنى عليه، وجوابه أن المراد أنها لا تتحمل جناية العبد، لأن المولى أقرب إليه منهم‏.‏ وروي عنه أيضا أن قدر الدية على العاقلة لأنها ضمان النفس، وما زاد في مال الجاني لأنه ضمان المال، بناء على أن عنده تجب قيمته بالغة ما بلغت، وقد تقدم‏.‏